ابن حجر العسقلاني
393
فتح الباري
والقصر انما يكون من شئ أطول منه ويدل على أنه رخصة أيضا قوله صلى الله عليه وسلم صدقة تصدق الله بها عليكم وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة قاله الخطابي وغيره وفى هذا الجواب نظر اما أولا فهو مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع وأما ثانيا فعلى تقدير تسليم انها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي وهو حجة لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي آخر أدرك ذلك وأما قول امام الحرمين لو كان ثابتا لنقل متواترا ففيه أيضا نظر لان التواتر في مثل هذا غير لازم وقالوا أيضا يعارض حديث عائشة هذا حديث ابن عباس فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفى السفر ركعتين أخرجه مسلم والجواب انه يمكن الجمع بين حديث عائشة وابن عباس كما سيأتي فلا تعارض وألزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأى الصحابي روايته بأنهم يقولون العبرة بما رأى لا بما روى وخالفوا ذلك هنا فقد ثبت عن عائشة انها كانت تتم في السفر فدل ذلك على أن المروى عنها غير ثابت والجواب عنهم ان عروة الراوي عنها قد قال لما سئل عن اتمامها في السفر انها تأولت كما تأول عثمان فعلى هذا لا تعارض بين روايتها وبين رأيها فروايتها صحيحة ورأيها مبنى على ما تأولت والذي يظهر لي وبه تجتمع الأدلة السابقة ان الصلوات فرضت ليلة الاسراء ركعتين ركعتين لا المغرب ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة الا الصبح كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار اه ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة وهى قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند ان قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة وهو مأخوذ مما ذكره غيره ان نزول آية الخوف كان فيها وقيل كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية ذكره الدولابي وأورده السهيلي بلفظ بعد الهجرة بعام أو نحوه وقيل بعد الهجرة بأربعين يوما فعلى هذا المراد بقول عائشة فأقرت صلاة السفر أي باعتبار ما آل إليه الامر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة وأما ما وقع في حديث ابن عباس والخوف ركعة فالبحث فيه يجئ إن شاء الله تعالى في صلاة الخوف * ( فائدة ) * ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الاسراء صلاة مفروضة الا ما كان وقع الامر به من صلاة الليل من غير تحديد وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداوة وركعتين بالعشى وذكر الشافعي عن بعض أهل العلم ان صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقوله تعلى فاقرؤا ما تيسر منه فصار الفرض قيام بعض الليل ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس واستنكر محمد بن نصر المروزي ذلك وقال الآية تدل على أن قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر منه انما نزل بالمدينة لقوله تعالى فيها وآخرون يقاتلون في سبيل الله والقتال انما وقع بالمدينة لا بمكة والاسراء كان بمكة قبل ذلك اه وما استدل به غير واضح لان قوله تعالى علم أن سيكون ظاهر في الاستقبال فكأنه سبحانه وتعالى امتن عليهم بتعجيل التخفيف قبل وجود المشقة التي علم أنها ستقع لهم والله أعلم